الراغب الأصفهاني

31

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين

الباب الحادي عشر في الغرض الذي لأجله أوجد الانسان ومنازلهم الغرض منه أن يعبد اللّه ويخلفه وينصره ويعمر أرضه كما نبه اللّه تعالى بآياته في مواضع مختلفة حسب ما اقتضت الحكمة ذكره وذلك قوله تعالى : ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) . وقوله : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً . وقوله : لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ . وقوله : لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ . وقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ . وقوله : وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها . وكل ذلك إشارة إلى توليتهم أمورا لم يستصلح لها إلا الإنسان كما نبه اللّه تعالى عليه بقوله للملائكة : ( إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ) . . وذلك ان اللّه تعالى ما كان موجدا لما هو موجده وفاعلا لما هو فاعله إلا على أربعة أوجه : الأول أفعال تولاها بذاته وهي الإبداع ومعنى الابداع هو إيجاد الشيء من العدم واليه الإشارة بقوله تعالى : ( بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) * . الثاني أفعال استعبد فيها ملائكته وسماه قوم التكوينات وذلك إخراج الشيء من النقص إلى الكمال إخراجا غير محسوس فاعله وبذلك وصفهم اللّه تعالى بقوله : فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً . وهم ثلاثة أضرب ضرب إليهم القيام بالاجرام السماوية وقد قيل هم إسرافيل وميكائيل وجبرائيل ورضوان والمحتفون بالعرش الموصوفون بقوله تعالى : ( وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) . وقوله تعالى : ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ . . . الآية ) .